السيد محمد حسين فضل الله

92

من وحي القرآن

ناحية المبدأ . * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ . إن اللَّه يقول لأولئك الذين يتصدقون وتتحول صدقتهم إلى عقدة ذاتية في أنفسهم تجاه الإنسان الذي أعطوه ، وتنطلق العقدة لتلاحقه بالكلمة التي تسيء إلى كرامته في ما يثيرونه معه من الإيحاء بالفوقيّة في إحساسهم تجاهه ، ومن التذكير الدائم له بحالة الحرمان التي كان يعيشها وبفضلهم عليه في إنقاذه من نتائجها الوخيمة مما يجعله مسحوقا من الناحية النفسية أمام ذلك كله . إن اللَّه يقول لأولئك : إن هناك من يعيش حسّ الكرامة في نفسه بالمستوى الذي يفضل فيه أن يجوع بدلا من أن يشبع على حساب كرامته ، ويحب أن يعاني الحرمان المادي الذي يشعر معه بالكرامة بدلا من أن يتقلب في الرخاء على حساب عزّته ومكانته . فإذا كنتم تريدون أن تهدروا كرامته بالعطاء من خلال كلمة المنّ والأذى ، فوفروا عليه ذلك ، واحملوا إليه الكلمة الطيبة والقول المعروف والمغفرة الروحية ، فإن ذلك أفضل من صدقاتكم التي يتبعها الأذى ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عنكم لا يحتاج إلى أعمالكم التي تسيء إلى الآخرين حَلِيمٌ لا يعجّل للمذنب عقوبته ، بل ربما يغفر له إذا استقام على الخط المستقيم . إبطال الصدقات بالمنّ والأذى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى . إن الفكرة تتحول إلى نداء إلهي يستثير صفة الإيمان في نفوس المؤمنين ، ليعرّفهم أن المنّ والأذى ، لا يتناسب مع طبيعة هذه الصفة التي توحي للمؤمن بأن يحفظ لعمله روحانيته ومعناه ، ويصون لأخيه المؤمن كرامته ، ويحذرهم بأن ذلك